غيبها المطر
غيبها المطر

غَيَّبَهَا المطر

قصة بقلم نعمة جابر الفيفي
abialgali@hotmail.com

في صباحٍ دراسيٍّ بارد، خرجتُ من البيت وحقيبتي المدرسية الثقيلة تستقر على ظهري، أترقّب بنات الجيران لنسير معًا إلى المدرسة القريبة من منازلنا خطواتٍ قليلة. قبل أن أبتعد، علّقتُ بصري بجدّتي وجاراتها وهنّ ملتفّات حول دلة القهوة، تتناثر ضحكاتهن كزقزقة عصافير الفجر، دافئة، عذبة، توقظ في القلب بهجةً خفيّة.

قلت في سرّي: لماذا لا أجلس معهن اليوم؟ لماذا لا أغيب عن المدرسة وأمنح نفسي هذا الصباح؟ كنت أتمنى أن أذوب في دفء الجلسة، وأن أستظل بضحكاتهن التي كانت تتلألأ كأشعة شمسٍ كسرت برد الصباح بالخير.

لكن صوت أمي أيقظ أفكاري:
«تأخرتِ… اخرجي، لعلّهن ينتظرنك».

خرجتُ أسير مردّدةً بصوتٍ خافت:
«مدرستي تفتح بدري… آخذ دروسي وأجري».

وفي الطريق، شقّ الصمتَ صوتٌ خافت، مواءٌ صغير ينبعث من داخل برميل مهجور. اقتربت، فرأيتها… قطةً صغيرة، بعينين بريئتين تلمعان كأنهما تستغيثان بي. توقّف قلبي لحظة، وسألت نفسي: لماذا لا آخذها معي إلى المدرسة؟ أخبّئها في حقيبتي… لن يراها أحد.

لكن الخوف من المديرة والمعلمات تسلّل إليّ، فتراجعت. قلت: لا… سأغطي البرميل بقطعة كرتون، حتى لا يراها أحد، وعند عودتي آخذها معي إلى البيت.

وصلتُ إلى المدرسة، لكن عقلي ظلّ هناك… عند البرميل، مع القطة. لم أستوعب شرح المعلمات، ولم أسمع كلماتهن، كنت غارقة في التفكير حتى أفزعني صوت معلمة تصرخ:
«لماذا لا تسمعينني وأنا أناديك؟ أجيبي عن سؤالي!»

ارتبكتُ وقلت:
«أيّ سؤال؟»

فضجّت الطالبات بالضحك، فأوقفتني وعاقبتني بشدّة. لم أشعر بشيء… حتى دوّى صوت الجرس. كان جرس المغادرة، فنسيت العقاب كله، وحملت حقيبتي وركضت.

عندما وصلتُ إلى المكان، تجمّدت في مكاني. الغطاء الذي وضعته لم يكن هناك. بحثت بعينين مذعورتين… لا قطة. أصابني الذهول، ثم انفجرت بالبكاء، وعدت إلى البيت حطامًا صغيرًا.

رأتني أمي، وقالت بقلقٍ وصوتٍ مرتفع:
«مالك؟ قولي مالك!»

قلت وأنا أجهش بالبكاء:
«قطتي… قطتي!»

قالت بدهشة:
«أي قطة؟»

قلت:
«كانت في البرميل… غطّيتها، وعندما عدت لم أجدها».

تنفست أمي بعمق وقالت:
«لا عليكِ، لقد أفزعتِني. سأبحث لك عن قطة».

وبالفعل، جلبت لي قطة صغيرة، سمّيتها ود. كانت إذا ناديتها أتت مسرعة من مكانٍ بعيد، كأن بيننا عهدًا خفيًّا. صرنا صديقتين، نتقاسم الوقت واللعب والسكينة.

لكن في يومٍ ماطر، اشتدّت الصواعق، وتعالت أصوات الرعد… وغابت قطتي.
ومنذ ذلك اليوم، وأنا أخاف الصواعق، أخافها حدّ البكاء، كأن المطر ما زال يغيب معها شيئًا من قلبي.