الـواعــدات
الـواعــدات

بقلم نعمة جابر الفيفي
abialgali@hotmail.com

منذ طفولتي، كانت فكرة صغيرة تطرق جدران روحي كعصفور يبحث عن نافذة نور. كنتُ أؤمن بأن هناك طريقًا أحببته، حلمت أن أسلكه، لكن لم أجد من يمسك بيدي ويدلّني إليه. وحين كبرتُ، نهض ذلك الصوت الداخلي من سباته وقال لي: “إن لم يساعدك أحد، فكوني أنت المساعدة لغيرك.”

قلت لنفسي: لماذا لا أكون الجسر؟ لماذا لا أفتح الأبواب للصغيرات اللواتي يحملن مواهب تُضيء لو أُعطِيَت فرصة؟

كبرت الفكرة… نبتت… تجذّرت… حتى صارت شجرة باسقة تمتد عروقها في أرض الحلم، وتشير أغصانها نحو السماء بثقة. أردتها ظلاً وارفًا يضم كل موهوبة في قطاعنا الجبلي الذي يخبئ كنوزًا من الإبداع خلف الجدران والصمت.

جلستُ مرارًا وأعيد صياغة الخطة، أضع الملامح، وأرسم الطريق بلا التواءات. أعددت المشروع، وتم مناقشته واعتمادة، وصممت الشعار بيدي، ورتبت خطط التنظيم والمراجعة لكل عمل سيُقدّم: شعر، قصة، مقال، خواطر… كنا ـ أنا وفريقي ـ خلية نحل لا تهدأ. نُراجع، نُقيّم، نُصنّف… ونسهر على ولادة شيء نقيّ وجميل.

لكن…

في ليلة لم أكن أُدرك أنها ستكون اختبارًا لقلبي، قالت إحداهن ببرود:
ــ “ما تفعلينه لا قيمة له! ومن يعدّ ويتعب ليست أنتِ بل غيرك!”

تجمدت اللحظة. شعرت كأن الهواء حولي انكمش. حدّقتُ فيها بذهول… هل حقًا ما أسمعه حقيقة؟!
وحين تماسكت، قلت بصوتٍ ثابت مهما اهتزّ داخلي:
ــ “لا… هذا أنا. أنا من عمل ونظّم وراجع وصنّف ورتّب… إن كنتِ تملكين دليلًا يخالف ذلك، فقولي.”

لكن الأصوات علت ضدي… كأن الحقيقة جرمٌ، وكأن الاجتهاد نقمة.
عدت إلى البيت منهارة، لا خوفًا منهم، بل ألمًا ممّا رأيته من قسوة وخذلان…
لم أنم تلك الليلة إلا في حضن أمي… طفلة كبيرة أهرب من العالم إلى قلبها.

وفي الصباح، عُدتُ رغم كل شيء. فإذا بإحداهن تدلق علي أبشع الشتائم…
لكن المفاجأة؟ وجدت وجوهًا طيبة تتصدّى لها دفاعًا عني… فشعرت أن الله يزرع حولي قلوبًا نقية تضيء طريقي.

ومضيت… لم ألتفت للخلف.
فالحلم لا ينتظر المترددين.

وجاء يوم الانتصار.
يوم الافتتاح. يوم ٥/٥… اليوم ذاته الذي تعيّنت فيه قبل سنوات. مصادفة؟ أم إشارة من الله؟ لا أعلم… ولكنني شعرت أن القدر يربت على كتفي ويقول: “لقد حان الوقت.”

كان يومًا استثنائيًا… مساءً يشبه العُرس.
الأضواء تتلألأ، العيون تبرق، والقلوب تخفق.
ظهرت فيه الصغيرات كبراعم تكشف للعالم أولى أزهارها…
قصص تُحكى فلا تُنسى:
رحلت جدتي… قصتي مع التهاميات… أنا والثعبان…
وغيرها من الكنوز التي كانت مختبئة في عقولهن الصافية… واستخرجناها بيد الفرح.

توالت كلمات التشجيع… وتحوّل الحلم من فكرة إلى واقع.
وها نحن نقف في قصر شامخ بشموخ جازان… النادي الأدبي بجازان…
حيث تجمّعت الواعِدات في أمسية أشبه بالحلم.

تقدمت نحوي طفلة خجولة، أمسكت يدي وقالت بصوت كهمس النسيم:
ــ “أنتِ قدوتي… وحين أكبر، أريد أن أكون مثلك.”

وفي تلك اللحظة…
طار عقلي فرحًا دون أجنحة.
تناثرت كل ذكريات الألم وخيبة الأمس.
تلاشت جروح الشكّ… وكأنها لم تكن.

وعرفت أن الإصرار… ليس مجرد صفة،
بل نعمة…
ومن يتمسك بها، يصل حيث يحلم ولو بعد حين.