بقلم نعمة جابر الفيفي
abialgali@hotmail.com
كانت هناك طفلة صغيرة، نشأت غارقة في دلال أمها، لا تغمض جفناها إلا على اهتزاز أرجوحتها الصغيرة وصوت والدتها الهادئ وهي تشدو لها بأعذب الألحان. كبرت الطفلة، حان وقت المدرسة، لكن “زجاجة الحليب” بقيت رفيقتها الوفية التي لا تفارقها.
حاولت الأم إقناعها: “يا صغيرتي، لقد كبرتِ، والمدرسة مكان للكبار، وزجاجة الحليب لم تعد تناسبكِ”، لكن الطفلة تمسكت برفيقتها بإصرار. وأمام دموعها، استسلمت الأم ووضعت الزجاجة في حقيبتها المدرسية. انطلقت الطفلة نحو مدرستها بقلب يخفق فرحاً، وحقيبة تحمل أسرار طفولتها.
الصدمة والاحتواء
حين دقت أجراس الفسحة، أخرجت الطفلة زجاجتها بعفوية، لتفاجأ بمعلمة تقبض على يدها بقسوة، وبعيون تملؤها السخرية نادت بصوتٍ عالٍ:
“رضاعة؟! ألم تُفطمي بعد؟!”
تعالت ضحكات المعلمة، فاجتمع حولها الطالبات والمعلمات، وغرقت الطفلة في بحر من الخجل والانكسار. وفي وسط هذا الضجيج القاسي، ظهرت المعلمة “نورة” كشعاع نور. اقتربت بهدوء وعاتبت زميلتها برفق: “أين المشاعر الطيبة؟ إنها مجرد طفلة، والحليب ليس ذنباً يستحق السخرية”.
احتضنت المعلمة نورة الطفلة، وأخذتها إلى غرفتها الخاصة، قائلة لها بابتسامة حانية:
“اشربي حليبك يا صغيرتي، وهذا كيس من الحلوى لكِ. وفي كل يوم، أنتظرك هنا لنشرب الحليب معاً.”
الوفاء والبصمة الخالدة
منذ ذلك اليوم، أصبح قلب الطفلة معلقاً بالمعلمة نورة. لم تكن مجرد معلمة، بل كانت أماً ثانية تزرع الحب في النفوس. عندما كانت تدخل الفصل، كانت الطالبات يستقبلنها بنشيدٍ محبب، وكانت بطلتنا ترفع صوتها عالياً لتسمعها معلمتها المفضلة:
“أستاذة نورة يا عيوني.. لبسك لبس الليموني..
لما تدخلي علينا.. مثل الأم الحنونة”
كانت المعلمة تجلس بجانب الطفلة، فتلمس الصغيرة جدائل شعر المعلمة المنسدلة، وتتخيلها تلك “الأميرة ذات الشعر الطويل” التي تسكن الحكايات. وبفضل هذا الحب، أصبحت حصة الأستاذة نورة هي الأحب، والاجتهاد فيها هو الهدف، ليس خوفاً من العقاب، بل رغبةً في إدخال السرور على قلب من أحبتهن.








