بقلم نعمة جابر الفيفي
abialgali@hotmail.com
في بداياتي المهنية، كان حلم التميز يراودني دوماً، وظللت أعمل بجد لسنوات طامحةً لتحقيقه. وحين حانت الفرصة وأعلنت الإدارة عن فتح باب التقديم لـ “جائزة التميز” التي ترعاها وزارة التعليم، قلت في نفسي: “لِمَ لا؟ سأقدم واللَّه معي”.
بدأت بجمع أعمالي، فواجهت صعوبات جمة وعقبات كثيرة، لكنني تسلحت بالإصرار، وكنت أردد لنفسي دوماً: “تستطيعين.. نعم تستطيعين”. في المقابل، كانت إحدى الزميلات تضحك بصوت جهوري أجشّ، يشبه قرع الطبل الفارغ، وتُشير إليّ بتهكم قائلة: “أنتِ تتقدمين لجائزة التميز؟! أنتِ التي لا تجيدين حتى الكتابة على الحاسوب! ماذا تملكين لتقدميه؟ ستجدين منافسات أفضل منكِ بمراحل”.
تلك الكلمات لم تزدني إلا إصراراً؛ تساءلت: “لِمَ لا أبدأ الآن؟ ولِمَ لا أتعلم؟”. وبالفعل، بدأت بجمع أوراق عملي وتنظيمها بمفردي، وبحثت عن مدربين لتعليمي التقنيات التي أحتاجها لإعداد الملف. كنا اثنتين فقط ممن تقدمن للجائزة، فذهبت لأستفسر ممن فزن سابقاً عن كيفية استخدام القوالب وتنظيم العمل.
هناك، لن أنسى أبداً صنيع إحدى الأخوات معي؛ حين رأتني آتيةً بملفات تملأ صندوقاً كبيراً، نظرت إليّ بحنان يشبه اسمها، وقالت: “يا نعمة، اذهبي وابحثي عن معلمة أو مركز لتدريب الحاسوب؛ لتتمكني من تحويل أعمالك الورقية إلى قوالب رقمية”. وبالفعل، تعلمت مسح الأوراق ضوئياً، ونسخ الروابط، وإضافة الفيديوهات، وإعداد المجلات والكتب الإلكترونية، وغيرها الكثير.
اجتهدتُ رغم الكلمات القاسية والمؤلمة التي حوربتُ بها، وقاومتُ خيبات الأمل في زميلات كنت أظن فيهن خيراً فصُدمت بواقعهن. اكتمل الملف وهو مبلل بدموع التعب، وقدمته. وبعد أسابيع، أخبرتني المنسقة أن ملفي غير مكتمل، وقد تم ترشيح ملف آخر. حزنتُ كثيراً، لكنني استرجعت أنفاسي وقلت: “لعله خير”.
لم أستسلم، بل قلت لنفسي: “سأتعلم أكثر ليكون ملفي في العام القادم أقوى”. وخلال عام كامل، كنت أجمع المؤشرات وأرتب أوراقي؛ نفذت دورة في الحوار الوطني ووثقتها، وأعددت مشروعاً ومجلة إلكترونية، بل وأرسلت كتابي لوزارة الإعلام وحصلت على فسح لنشره، وافتتحت قناة على اليوتيوب.
جاء اليوم المنتظر وقدمتُ ملفي من جديد، رغم المحبطين. وبفضل الإصرار الذي زرعته أمي في نفسي، أعددت ملفاً متكاملاً وتوكلت على الله. وفي اليوم التالي، اتصلت بي المنسقة لتبشرني: “لقد فاز ملفك وتم رفعه للوزارة”. صرختُ من الفرح: “أمي! أمي! رُفع الملف!”. بكيتُ ورقصتُ فرحاً واحتضنتُ أمي.
لكن الرحلة لم تنتهِ هنا؛ فبعد فترة، أخبرتني المنسقة بوجود “تغذية راجعة”. أجبتها بكل ثقة: “ملفي قوي وأنا واثقة به، أريد الاطلاع على الملاحظات”. وبعد مراجعتها مع إحدى الأخوات، كتبتُ رداً تقنياً مفصلاً على تلك الملاحظات وأرسلته.
بعدها، وصلني ما هو أغلى من الفوز؛ وصلني من وزارتي الحبيبة خطاب شكر وتقدير من الأمين العام للجائزة، بالإضافة إلى شهادة شكر من الوزارة. عندها فقط، أدركتُ قيمة الصبر، وعرفتُ حقاً كيف يكون “الإصرار نعمة”.








