قصة بقلم نعمة جابر الفيفي
abialgali@hotmail.com
في صباحٍ من تلك الصباحات المشرقة، كان الضوء مختلفًا، كأنه يبشّر ببداية طريق، ببذرة أمل، بحلم صغير يرفرف في قلب أبي وأمي. كنتُ يومها طفلة في الصف الثالث الابتدائي، ترتدي فستانًا أبيض كبياض الحمام، وعلى رأسي طوق فلٍّ صنعته يد أمي بحب، بينما أبي يمسك بيدي ليأخذني إلى المدرسة حيث تُعلن النتائج.
دخلتُ المدرسة بخطوات مرتجفة، أترقب الحلم الذي سيُسعد قلب والديّ. جلستُ في ركنٍ قصيّ، أرفع رأسي إلى السماء وأهمس بالدعاء. وفي لحظة طفولة بريئة، خطر لي أن الدعاء من مكانٍ أعلى أقرب إلى الاستجابة، فركضتُ إلى سطح المدرسة، ورفعت يديّ إلى السماء، أرجو النجاح.
لكن حين عدت، باغتتني زميلة بسخرية جارحة: “رسبتِ في الرياضيات!” ارتجف قلبي، وركضتُ إلى المعلمة نورة، فأخبرتني أن عليّ مادة واحدة، لكن بقية علاماتي ممتازة، وأنني سأعبر العام. خرجتُ باكية، خلعت كبش الفل ومزقته، كأنما هو السبب في تعثري. وقفتُ أمام أبي، والدموع تسبق الكلمات، فقال بحنانٍ جبليٍّ صادق: “لا عليكِ يا بنتي، اعتبري نفسك ناجحة، وأمك لن توبخك.”
ذلك اليوم علّمني معنى المسؤولية، علّمني أن النجاح ليس ورقة نتيجة، بل إصرار على إسعاد من نحب. ورغم سخرية بنات الخالة وزميلات المدرسة، عقدتُ العزم أن أمضي، أن أتجاوز العقبات، أن أذاكر وأجتهد لأُهدي أبي وأمي فرحة النجاح.
كنتُ أذاكر حتى يغلبني النعاس، فأمشي في البيت كي أبقى يقظة، كما علمتني صديقتي داليا. وكان أبي يضحك قائلاً بلهجته الجبلية: “إيه يا بنتي، إذا مشيتي كذا، بتعدّي الرياض!” فأضحك وأواصل. وفي نهاية كل عام، كانت أمي تشعل الألعاب النارية بيديها، لتصنع لي فرحة أكبر من فرحة النجاح نفسه.
كنتُ وحيدتهم، الولد والبنت، الحلم الذي يضعون فيه كل الأمل. ومع كل نتيجة، كنتُ أذهب بلا فل، بلا زينة، كأنني أقسمت أن الفل يجلب التعثر. حتى يوم تخرجي من الكلية، أدركت أن الدعاء الذي رفعته صغيرًا كان مؤجلاً، لكنه تحقق بالفرح الدائم.
بعدها، عدت أحب الفل من جديد، لأن أمي زرعت بيدها شجرة فل في بيتنا، وكانت تقطف لي منه كل صباح. وحين رحلت، بقيت الشجرة مثقلة بالفل، بلا يدٍ تقطفه. صار الفل ذكرى أمي، سعادتها، أملها، ونجاحها.
واليوم، كلما رأيت بائعًا يحمل كبش الفل في الطريق، يشدني الحنين. لقد صار كبش الفل رفيقًا لفرحي وحزني، ذاكرةً لا تزول، ورمزًا لأمي التي جعلت من الفل حياةً كاملة من الأمل.








