
أهازيج أبي قصة قصيرة بقلم/نعمه جابر الفيفي
كان أبي كلّما رآني حزينة، يمدّ يده إليّ كمن يمدّ خيط نورٍ من قلبه، ويقول بلهجته الجبلية الدافئة:
تَعي نهصع
ثم يرتفع صوته بأهازيجه العذبة، فتذوب في صدري غيوم الحزن، وأضحك كما لو أن الدنيا أشرقت من جديد.
كان أبي طيّبًا إلى حدّ يجعل الطيبة تخجل من نفسها، حنونًا كنسمة فجرٍ تمرّ على صدر الأرض.
كنت مدلّلته، وكان يناديني دائمًا: «كنانتي».
لم يكن يردّ لي طلبًا، وكان يرى في فرحي سعادته، وفي حزني وجعه.
في بدايات حياته كان ميسورًا، يلبي رغباتي دون تفكير، ثم أتعبته السنين، ولم يبقَ له من الدنيا سوى قلبه الكبير.
اشترى حافلة بيضاء كقلبه، يجوب بها الحارات لينقل المعلمات والطالبات.
كان الجميع يحبه، يثقون به، ويبتسمون له؛ فقد كان وجهه مرآة للسلام.
كان يرفض أن يأخذ أجرًا من يتيمة أو أرملة، رغم حاجته، ويقول دائمًا:
(المال يعود… لكن الطيبة لا تعود إن رحلت).
كان طويل القامة، جميل الملامح، مهيبًا كسكون الجبال، ووجهه يفيض رضا.
من ينظر إليه يشعر بالسكينة تغمر قلبه دون أن يدري السبب.
أتذكر وأنا طفلة أنني تمنّيت بطة.
ضحك وقال:
من أين أجد لك بطة يا كنانتي؟
ثم راح يغني لي كعادته:
أكلك من وين يا بطّة… أكلك من وين؟
وبعد أيام، عاد يحمل في يده بطة حقيقية.
ضحكت حتى دمعت عيناي، ولم أنسَ ذلك اليوم أبدًا، ولا صوته، ولا أهازيجه التي كانت تملأ البيت دفئًا وطمأنينة.
مرّت الأيام، وفي صباحٍ غائم كوجه حزنٍ قديم، دخل أبي غرفتي.
بدا متعبًا، وعلى وجهه ابتسامة حزينة، كأنها تختبئ خلفها وصيّة.
قال بصوتٍ خافت:
كنانتي، أنتِ الولد والبنت، أليس كذلك؟
قلت: نعم، كما علّمتني دائمًا.
ابتسم، وقال:
أمّك ليس لها أحدٌ سواكِ. ربيتك لتكوني رجلًا وامرأة.
كنتِ الأفضل دائمًا، أثبتِّ لي في دراستك وصبرك أنك ابنتي حقًّا.
كوني بارةً بأمك، فهي ليس لها أحد غيركِ يا كنانتي.
كلماته التصقت بقلبي كأنها حبرٌ لا يُمحى.
كنت أريد أن أقول شيئًا… لكن خوفي كبّل لساني.
بعد أيامٍ نُقل إلى المستشفى.
قالوا لي: «سيخرج قريبًا.»
لكن قلبي لم يصدق.
دخلت غرفته، كان نائمًا، وبجواره رجل شاخص البصر.
أغلقت الستارة بينهما خائفة من شيء لا أستطيع تسميته.
دخلت أمي تحمل طبقًا صغيرًا من الطعام، وقالت:
من جاء بكِ؟
قلت: «أنزلني السائق بعد الدوام لأراه.»
اقتربنا منه، كانت يده ساكنة، والأخرى ملفوفة بالشاش.
فتحت أمي يده وقالت برفق:
قم لأطعمك… نعمة بجانبك تبكي، ابتسم لها.
فابتسم.
ابتسامةً لا تُشبه إلا النور.
ابتسامةً ظلت تسكن قلبي، تضيئه كلّما حلّ الظلام.
ثم أكل قليلًا، كأنه أراد أن يقول لي بصمته: أنا بخير، فلا تبكي يا كنانتي.
في تلك الليلة نمت بصعوبة.
وفي صباحٍ لم تشرق فيه الشمس، جاءت ابنة الجيران مسرعة تطرق باب غرفتي، تصرخ:
والدكِ مات!
ابتسمتُ بذهول وقلت: «تمزحين! رأيته بالأمس وكان يبتسم.»
قالت: «لا… مات.»
سقطت الكلمات من فمي كما تسقط أوراق الخريف.
وحين جاءوا بجثمانه، تشبثتُ بكفنه، أبكي وأهمس:
لا تتركني وحدي… كنانتك ليست قوية.
لم تعلّمني أن في العالم شرًّا… علّمتني الطيبة فقط.
فكيف أعيش في عالمٍ بلا قلبك؟»
سحب خالي يدي بقوة، وما زالت آثار أصابعه على كتفي حتى اليوم، تذكّرني أن الوداع يترك أثرًا لا يُرى، لكنه يُوجِع العمر كلّه.
رحل أبي…
ورحلت معه أهازيجه،
لكن صوته ما زال يعلو في داخلي كلما ضاقت الدنيا:
تَعي نهصع.
abialgali@hotmail.com


